نقل ولوجستيات

هل ستُحدث تقنية «بلوك تشين» ثورةً في اقتصاد الشرق الأوسط؟

لقد تعهدت حكومة دبي بتحميل كل وثائقها على منصة «بلوك تشين» بحلول العام 2020. فكيف سيبدو المستقبل مع تقنية «بلوك تشين» وما الفوائد التي ستعود على منطقة الشرق الأوسط؟ وماذا تفعل هذه التقنية أصلًا؟

إنّ منطقة الشرق الأوسط على وشك أن تشهد ثورةً في طريقة معالجتها المدفوعات والصكوك والسندات. ففي الأشهر القليلة الماضية، قامت مؤسسات إقليمية ودولية طليعية عدة بتجربة تقنية «بلوك تشين» Blockchain. ومن أولى الجهات التي تدرس تطبيقات استخدامها في القطاع الحكومي نذكر الاتحاد الروسي والمنتدى الاقتصادي العالمي. لن تقتصر هذه التقنية على إحداث نقلة نوعية في المعاملات الحكومية وحسب، بل من شأنها أيضاً أن تعزز التفاعل ما بين الحكومة والمؤسسات التجارية في المجالات حيث توجد أهمية جمة لأمن وموثوقية تسجيل الأحداث والمعاملات والمعلومات على الإنترنت، حتى أنّ استخداماتها يتجاوز بكثير المعاملات المالية وحسب.

يمكن وصف تقنية «بلوك تشين» بأنّها أول دفتر حسابات غير قابل للتعديل، إذ إنّها عبارة عن دفتر حسابات رقمي وهي تشكل ركيزة التعاملات بالعملة الإلكترونية المشفرَّة «بيتكوين» Bitcoin بحيث يتم تسجيل كل صفقة تتم بعملة بيتكوين في نموذج آمن وموثوق.

ويقول في هذا الإطار نيك كاري، رئيس «بلوك تشين» وأحد مؤسسيها، إنّه غالباً ما يُساء فهم ماهية هذه التقنية، لكنّ أفضل سبيل لفهمها هو اعتبارها «جدول بيانات سحابي ضخم يمكن لأي شخص استخدامه لكن لا يمكن لأي أحد حذف أي شيء منه أو تعديله».

فما إن يتم حفظ البيانات في «بلوك تشين» يُصبح من المستحيل تعديلها، وبالتالي هذا يناسب تماماً تسجيل المعاملات التي تستلزم قدراً عالياً من الثقة والإثبات. ولا تقتصر شبكة صفقات «بلوك تشين» على تسجيل المدفوعات وحسب، إذ يوضح كاري أنّ التقنية قادرة أيضاً على تشفير أنواع بيانات أكثر مع كل صفقة يتم إدخالها، ما يزيد كثيراً من تطبيقاتها الممكنة. ومن الفوائد الأصيلة في هذه التقنية إنّها تدعم إجراء المعاملات عبر الإنترنت في الحال تقريباً من دون أي كلفة.

ويقول كاري هنا إنّ «دفتر حسابات الشبكة متاح بالكامل، وبالتالي، يمكن لأي شخص أن يتحقق من صحة المعاملات ويتأكد منها. وإضافة إلى تسجيل المدفوعات، يمكن استخدام «بلوك تشين» باعتبارها منظومة عالمية لحفظ حقوق الملكية تتحلى بإمكانات هائلة سواء في الاقتصادات المتقدمة والناشئة وقيد النمو كما هو الحال مع منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي، يمكن تسجيل جميع مستندات الضمانات في «بلوك تشين» من أسهم وصكوك وسندات وغيرها».

ومن شأن «بلوك تشين» أيضاً أن تفيد بشكل خاص المؤسسات الحكومية، حيث قد تنجح التقنية في محاربة البيروقراطية المتفشية في الشرق الأوسط وتعزيز المعاملات والعمليات بين المواطنين. وقد تعهدت حكومة دبي بتحميل وثائقها كافة على منصة «بلوك تشين» بحلول العام 2020 وأنشأت مؤخراً المجلس العالمي للتعاملات الرقمية، وهو مبادرة مشتركة ما بين القطاعين العام والخاص تجمع إدارات حكومية ومؤسسات محلية وشركات ناشئة دولية. ويسعى المجلس إلى دعم تطوير التقنية على أرض الواقع من خلال تجربتها في مختلف المصارف والإدارات الحكومية.

في هذا الإطار، أشار إم. آر. راغو، النائب الأول لرئيس الأبحاث في المركز المالي الكويتي، «المركز»، إلى أنّ حكومات الشرق الأوسط ما زالت تعتمد على المعاملات الورقية في عملياتها الرئيسية، وذلك يبطئ تنفيذ المهام ويغذي البيروقراطية، وأضاف قائلاً: «ما زالت الدوائر العقارية في معظم أنحاء منطقة الشرق الأوسط تعتمد المعاملات الورقية لتسجيل العقارات ونقل ملكيتها على الرغم من الدور الضخم الذي تؤديه. أما الآن، فبإمكان رقمنة المعاملات العقارية أن تساعد على زيادة الشفافية، ما يعزز بدوره السيولة في السوق».

ويضيف راغو أنّه بوسع مجالات إقليمية كثيرة الاستفادة من زيادة سرعة المعاملات وخفض تكلفتها، ومنها مجالات التحويلات المالية والرعاية الصحية والشحن والطاقة. ويقول إنّ «اقتصاد مجلس دول التعاون الخليجي يعتمد على النفط بالدرجة الأولى. إذ يتم تصدير مليارات براميل النفط الخام يوميًا من المنطقة إلى مشترين دوليين يدفعون ثمنه بالدولار. وتستخدم هذه العمليات حاليًا طرق الدفع التقليدية مثل التحويلات المصرفية والشيكات والتحويلات بنظام سويفت SWIFT. وتستغرق عمليات الدفع العابرة للحدود ما بين يومين وثلاثة أيام لتتم.

«أما الدفع عبر «بلوك تشين»، فهو شبه فوري ويستغرق استكماله حوالي 15 دقيقةً. وبما أنّ المعاملات غير مركزية، فيمكنها أن تتم حتى ولو كان الطرفان في منطقتين زمنيتين مختلفتين».

[ إصلاح شامل إقليمي

يوصي مايك جونز، وهو رئيس الفريق الاستشاري للدوائر الحكومية والقطاع العام بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «إرنست آند يونغ» قائلاً بأنّه ينبغي لحكومات المنطقة جمعاء أن تدرس جدياً تقنية «بلوك تشين» بهدف تحسين عملياتها الداخلية والخارجية على حد سواء.

ويشرح جونز قائلاً: «بما أنّ «بلوك تشين» دفتر حسابات متاح للعلن، فهو يتيح ركيزةً آمنة تسجل وقت إتمام كل معاملة من أجل ضمان كفاءة الأنشطة والخدمات الحكومية في طيفٍ واسعٍ من المجالات، منها تكاليف التشغيل وتنفيذ العقود وإدارة المخاطر وتجربة المواطن وشفافية الأنشطة الحكومية».

ويضيف جونز أنّ أوجه استخدام «بلوك تشين» قد تشمل مساعدة الحكومات على جباية الضرائب وتقديم البدلات والمنافع وإصدار الوثائق وتسجيل الممتلكات وضمان سلاسة سلسلة توريد السلع ونزاهة السجلات والخدمات الحكومية.

وإلى جانب استخدام التقنية من أجل تعزيز المعاملات الحكومية، على حكومات المنطقة تأدية دور محوري لدعم تبني تقنية «بلوك تشين» محلياً لتحسين اقتصاداتها. وينصح جونز حكومات المنطقة بتشجيع بتبني التقنية بشكل مبكر والتحلي برؤية واضحة بشأن التعاملات الرقمية والاستثمار في التقنية، ويقول إنّه «ينبغي للحكومات أن تؤدي دور الميسّر عبر توفيرها الأطر التنظيمية وصياغة معايير الأمن والخصوصية وبناء الثقة».

بلوك تشين
بلوك تشين

وعلى المستوى الكلي، يقول كاري إنّ من شأن تحسين العمليات البيروقراطية سواء على مستوى الحكومة أو في الشركات أن يشكل أداةً لدفع عجلة اقتصاد المنطقة ككل، مضيفاً أنّ «الإدماج المالي وزيادة الكفاءة وتحسين فرص تكوين رؤوس الأموال أمورٌ تعود بالنفع على الجميع. ففي الماضي، كان للوسطاء دورٌ بالغ الأهمية. وأما اليوم، فلم يعد لهم من ضرورة. إذ يمكن للبرمجيات والرموز الحاسوبية أن تؤدي عملهم من دون أي كسل أو تحيّز. وأتوقع أن يكون لتقنية «بلوك تشين» انعكاسات رقميةً عميقةً تمسّ الشفافية والحوكمة بشكل خاص، بما يحقق مكاسبَ اقتصادية للاقتصادات التي تتبنى هذه التقنية».

http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=726819