amr-0

Gold prices

الدولار يتراجع… ماذا يحدث لعملة العالم؟ ومن الرابح ومن الخاسر؟

 

الكاتب: عمرو علي

في الشهور الأخيرة تكرّر الحديث عن انخفاض سعر الدولار الأمريكي، وكأن الأمر مجرد رقم يتحرك على شاشة. لكن الحقيقة أن الدولار ليس عملة عادية، بل هو عملة العالم الأولى، وأي صعود أو هبوط له يترك أثرًا واسعًا على الأسعار، والاستثمارات، وحتى حياة الناس اليومية في كل الدول تقريبًا. لذلك من المهم أن نفهم: كيف بدأ هذا الانخفاض؟ ولماذا يحدث؟ وهل هو مؤقت أم جزء من دورة طويلة؟

ماذا يعني انخفاض الدولار؟

عندما نقول إن الدولار انخفض، فنحن لا نقصد أنه فقد قيمته فجأة، بل نعني أنه ضعف مقارنة بعملات أخرى أو مقارنة بالذهب. فالدولار دائمًا يُقاس بغيره، مثل اليورو أو الين، أو بسلة عملات عالمية، أو حتى بسعر الذهب.

فإذا كان الدولار يحتاج اليوم كمية أكبر منه لشراء نفس السلعة أو نفس العملة الأجنبية، فهذا يعني ببساطة أن قوته الشرائية تراجعت.

ما الذي يحدد سعر الصرف؟

سعر أي عملة في العالم تحكمه مجموعة عوامل، أهمها أسعار الفائدة. فعندما تكون الفائدة مرتفعة، ينجذب المستثمرون إلى هذه العملة، لأنها تحقق لهم عائدًا أفضل. أما إذا انخفضت الفائدة، يبدأ رأس المال في البحث عن بدائل.

العامل الثاني هو التضخم. فكلما ارتفعت الأسعار داخل الدولة، ضعفت قيمة عملتها. وهناك أيضًا قوة الاقتصاد نفسه: حجم الإنتاج، الصادرات، وفرص العمل. ولا يمكن تجاهل الديون والعجز المالي، فالدولة التي تنفق أكثر مما تكسب تضع عملتها تحت ضغط دائم. وأخيرًا تأتي الثقة والاستقرار السياسي، لأن الأسواق تكره المفاجآت والقرارات غير المحسوبة.

هل تختلف هذه العوامل بين الدول المتقدمة والنامية؟

نعم، والفرق كبير.

في الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، تتحرك العملات غالبًا بناءً على الفائدة والنمو والثقة في المؤسسات. أما في الدول النامية، فالوضع أكثر حساسية، حيث تتأثر العملات بسرعة بخروج الأموال الأجنبية، وارتفاع الديون، وتقلب أسعار السلع، وأي توتر سياسي.

لهذا نرى أن أي أزمة عالمية تضرب عملات الدول النامية بقوة أكبر.

هل قرارات ترامب هي السبب؟

كثيرون يربطون ضعف الدولار بقرارات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهذا الربط له جزء من الصحة. فقد اتخذ ترامب قرارات مثل خفض الضرائب بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة العجز في الموازنة، كما مارس ضغوطًا لخفض أسعار الفائدة، ودخل في صدامات تجارية مع دول كبرى.

لكن الحقيقة أن ضعف الدولار لم يبدأ مع ترامب فقط، بل هو نتيجة تراكمات أقدم: ديون متزايدة، وسياسات توسعية، وطباعة أموال بعد أزمات متلاحقة. ترامب لم يبدأ القصة، لكنه كان فصلًا واضحًا فيها.

هل يمر الدولار بدورات صعود وهبوط؟

نعم، الدولار يمر بما يمكن تسميته دورات اقتصادية.

في أوقات الخوف والأزمات العالمية، يتجه المستثمرون إلى الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، فيقوى. أما في أوقات التفاؤل والنمو العالمي، يبدأ المال في الخروج إلى أسواق أخرى، فيضعف الدولار.

بمعنى آخر: قوة الدولار ليست ثابتة، بل تتحرك مع مزاج الاقتصاد العالمي.

ما الذي يحدد قوة الدولار تحديدًا؟

قوة الدولار ترتبط بسياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خاصة قرارات الفائدة، وبحجم الدين الأمريكي، وبوضع الاقتصاد العالمي ككل. كما تلعب مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية دورًا مهمًا، لكنها لم تعد حصنًا لا يُمس كما كانت في الماضي.

كيف يؤثر انخفاض الدولار على الأسواق؟

عندما يضعف الدولار، غالبًا ما يرتفع الذهب، لأن المستثمرين يبحثون عن مخزن بديل للقيمة.

أما الأسهم الأمريكية، فكثيرًا ما تستفيد، لأن الشركات المصدّرة تحقق أرباحًا أعلى عندما تصبح منتجاتها أرخص في الخارج.

في المقابل، قد تتراجع جاذبية السندات الأمريكية للمستثمر الأجنبي إذا تراجع العائد الحقيقي.

عالميًا، تستفيد الأسواق الناشئة، وتتحرك أسواق السلع صعودًا، لأن معظم السلع تُسعَّر بالدولار.

تأثير الدولار لا يتوقف هنا

تغير سعر الدولار يؤثر أيضًا على أسعار الغذاء، وتكاليف الاستيراد، وتحويلات العاملين بالخارج، واحتياطيات البنوك المركزية، وحتى على ميزانيات الدول التي تعتمد عليه في تجارتها الخارجية.

كيف يتصرف المستثمر الصغير؟

المستثمر الصغير قد لا يفهم كل التعقيدات، لكنه يستطيع حماية نفسه بخطوات بسيطة:

أهمها التنويع، أي عدم وضع كل أمواله في الدولار فقط. وجود جزء في الذهب، وجزء في الأسهم، والاحتفاظ بسيولة للطوارئ، يساعد على تقليل الخسائر. التفكير طويل الأجل أهم بكثير من مطاردة المكاسب السريعة.

وكيف تتحوط الدول؟

الدول تتحرك على نطاق أوسع، فتعمل على تنويع احتياطياتها بين الدولار والذهب وعملات أخرى، وتعقد اتفاقيات تبادل عملات، وتحاول تقليل اعتمادها على الدولار وزيادة الإنتاج المحلي.

كيف يمكن أن ينتهي ضعف الدولار؟

غالبًا ما يستعيد الدولار قوته عند رفع الفائدة، أو عند حدوث أزمة عالمية جديدة تدفع المستثمرين للعودة إليه، أو عند تباطؤ الاقتصاد العالمي.

الدولار لن ينهار فجأة، لكنه أيضًا لم يعد وحده في القمة بلا منافس.

الخلاصة

انخفاض الدولار ليس حدثًا عابرًا، بل نتيجة سياسات ودورات اقتصادية وتغيرات في ميزان القوة العالمي. فهم هذه الصورة لا يجعلنا أغنياء، لكنه يجعلنا أقل عرضة للخسارة، سواء كأفراد أو كمستثمرين أو حتى كدول.